حبيب الله الهاشمي الخوئي

198

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فهذا متى ادركه الموت ادركه على الإصرار فهو هالك ، وآخر تائب ما لم يجد شهوة فإذا وجد ركب هواه وأضاع المحاسبة لنفسه ، فهذا مستوجب للعقوبة من اللَّه ، ورجل تائب بقلبه إلَّا أن نفسه تدعوه إلى الشيء مما يكره ، فهذا يحتاج إلى الأدب لنفسه ، وفائدته على قدر مجاهدته ، ورجل مديم للحساب قد قام على ساق مقام الخصم فهذا مستوجب للعصمة من اللَّه ، ورجل قد هام به خوفه من ذنوبه ولم تبق فيه باقية فهذا المتوحّد بولاية اللَّه . وقال العلامة الشيخ البهائي قدس سرّه : من أهمل المبادرة إلى التوبة وسوّفها من وقت إلى وقت فهو بين خطرين عظيمين إن سلم من واحد فلعله لا يسلم من الاخر : أحدهما أن يعاجله الأجل فلا يتنبّه من غفلته إلَّا وقد حضره الموت وفات وقت التدارك وانسدّت أبواب التلافي وجاء الوقت الَّذي أشار اليه سبحانه بقوله * ( « وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ » ) * وصار يطلب المهلة يوما أو ساعة فلا يجاب إليها كما قال تعالى * ( « وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ » ) * . قال بعض المفسرين في تفسيره هذه الآية : إن المحتضر يقول عند كشف الغطاء يا ملك الموت أخّرني يوما اعتذر فيه إلى ربّي وأتوب اليه وأتزوّد صالحا ، فيقول فنيت الأيام فيقول أخرني ساعة ، فيقول : فنيت الساعات ، فيغلق عنه باب التوبة ويغرغر بروحه إلى النار ويتجرع غصّة اليأس وحسرة الندامة على تضييع العمر وربما اضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال . وثانيهما أن يتراكم ظلم المعاصي على قلبه إلى أن تصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو ، فان كلّ معصية يفعلها الانسان تحصل منها ظلمة في قلبه كما تحصل من نفس الانسان ظلمة في المرآة ، فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رينا كما يصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة صدءا ، وإذا تراكم الرين صار طبعا فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض وطال مكثه وغاض